مَمَن تثق في مشاركة مُشكلاتك الشخصية؟ سواء كانت مشكلة مهنية أو عاطفية أو صحية أو عائلية، هل ستذهب إلى شريك حياتك؟ صديقك المُفضل؟ والدتك؟ الآن سؤال آخر: مَن آخر شخص وثقت بمشاركته بعض المعلومات الشخصية حقا؟وجد ماريو لويس سمول، عالِم الاجتماع بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "Someone to Talk To"، خلال بحثه أن الإجابات عن الأسئلة السابقة غالبا ما تكون غير متطابقة. ففي حين أكَّد بعض الناس باستمرار أنهم سيثقون أكثر بالأشخاص المُقربين منهم، فإنهم عندما سُئلوا عمَّن شاركوا معه مخاوفهم أو أزماتهم الأخيرة، غالبا ما كان شخصا عشوائيا على متن طائرة، أو مُصفِّف شعر، أو شخصا غريبا في غرفة الانتظار. (1) كتاب "Someone to Talk To"هل يُفسِّر ذلك بعض الشيء سبب انتشار الفضفضة الإلكترونية على صفحات المشكلات الاجتماعية بمواقع التواصل الاجتماعي أو المجموعات المُنتشرة على تطبيقات المراسلات المجانية؟ على هذه المجموعات، قد تجد شخصا يعرض مشكلة شخصية للغاية تتعلَّق في بعض الأحيان بعلاقته الزوجية الحميمية، وتجده يرجو القُرَّاء أن يُخبروه بآرائهم ليعرف حل مشكلته، هؤلاء القُرَّاء هم غرباء عنه كلية، لا يعرفون شيئا عن شخصيته ولا مُلابسات حياته ولا حتى أبعاد مشكلته سوى الأجزاء المُقتطفة المُقتضبة التي قرَّر هو حكيها. التعليقات الافتراضية تُفاقم المشكلات "كُنت أود التحدُّث فقط، أصبحت الخلافات والمواقف المتراكمة تبني بيني وبين زوجي سدا منيعا يجثم فوق صدري وحدي، لا أريد أن أُحادث أمي، لأنها كانت سترد بما تحمَّلته طوال حياتها من والدي لكي نكبر أنا وإخوتي في بيت مُستقر، كانت ستُذكِّرني بأطفالي الثلاث، كلام أمي يُشعرني دوما بأنني لم يعد لي وجود، مشاعري ليست مهمة بأي درجة، لا سعادتي ولا حزني ولا ألمي، يجب فقط أن أختزل كل شيء في هدف واحد فقط هو أن أحافظ على بيتي وأسرتي"، هكذا بدأت دينا.م، المرأة الثلاثينية حديثها مع "ميدان". تُضيف دينا أنه لم يكن لديها سوى أمها لتتحدَّث معها، لا صديقات أو معارف، وقتها فكَّرت أن تنشر مُشكلتها الكبيرة مع زوجها على إحدى صفحات المشكلات الاجتماعية، تُضيف: "عرضت مشكلتي مرة ثانية وثالثة على مجموعات الفتيات والسيدات على تطبيقات المراسلة المجانية، عشرات الأصوات تُخبرني بضرورة الانفصال عن زوجي حفاظا على نفسية الأطفال، وأصوات قليلة ضعيفة تُخبرني ألا أُخرب البيت، وأن زوجي به صفات جيدة أصبحت غير موجودة بكثرة هذه الأيام، للأسف بعد مشاركة مشكلتي والتحدُّث بشأنها أصبحت أرفض زوجي أكثر وأبتعد عنه أكثر، وأصبحت الحياة أثقل وأصعب، لكن ما يعوقني عن اتخاذ القرار بالانفصال هو أنني أخشى أن أظلمه أو أظلم الأطفال". في عام 1973، وضع عالِم الاجتماع في جامعة ستانفورد، مارك جرانوفيتر، نظرية "قوة الروابط الضعيفة"، مُعرِّفا "الروابط الضعيفة" بأنها علاقات اجتماعية تتسم بالاتصال النادر، وغياب القُرب العاطفي، وعدم وجود تاريخ من الخدمات المتبادلة. وفقا لهذا يمكن القول إن المعارف ضمن الروابط الضعيفة هم الأشخاص الذين يقعون في "شبكتك الموسَّعة". وقد رأى جرانوفيتر أننا نعتمد على الروابط القوية (دائرتنا الداخلية) للحصول على الدعم، وعلى الروابط الضعيفة (معارفنا) للحصول على المعلومات. (2) يبدو أن الاستخدام المُكثَّف لوسائل التواصل الاجتماعي والمعدلات المرتفعة لعيش الأشخاص بمفردهم يدفع التوجُّه بالاعتماد على العلاقات الضعيفة إلى أقصى حدوده.لكن أبحاث ماريو لويز سمول، من جامعة هارفارد، تقلب ذلك الاستنتاج رأسا على عقب، فهو يرى أن المقربين الحقيقيين للناس هم الغرباء الذين يقابلونهم، يقترح بحث سمول أن ما يقرب من نصف الأشخاص الذين نناقش معهم الأمور المهمة ليسوا أولئك الذين نعتبرهم أقرب المقربين إلينا. يعتقد سمول أننا بالطبع نعتمد على تلك الروابط القوية، لكنه يجادل بأن هذه ليست الصورة الكاملة، حيث يمكننا في كثير من الأحيان الحصول على الدعم من العلاقات الضعيفة مثل الزملاء والعلاقات العابرة والغرباء، ونحن نفعل ذلك غالبا. وفيما يبدو، فإن الاستخدام المُكثَّف لوسائل التواصل الاجتماعي والمعدلات المرتفعة لعيش الأشخاص بمفردهم يدفع هذا التوجُّه بالاعتماد على العلاقات الضعيفة إلى أقصى حدوده. (3) وحتى العلاقات العابرة تحوَّلت إلى علاقات "افتراضية"، فعندما تكون في قطار أو على متن طائرة أو في طابور في متجر فإنك ستنظر إلى هاتفك بدلا من الشخص المُجاور لك. يُعلِّق سمول قائلا: "أعتقد أن الأشخاص الذين يواجهون مشكلات حقيقية ليسوا الأشخاص الذين لا يستطيعون تسمية ثلاثة أو أربعة أشخاص يُشكِّلون شبكات الأمان والدعم الخاصة بهم، بل هم الأشخاص الذين لا يصادفون أي شخص عشوائي بانتظام". (4) لماذا نختار التحدث مع الغرباء؟ حسنا، يقول سمول إن هناك ثلاثة أسباب تجعلنا نتجنَّب اللجوء إلى أقرب الأشخاص إلينا عندما نواجه مشكلات تتعلَّق بصحتنا أو علاقاتنا أو عملنا أو أطفالنا.
مشاهدة جميع مواضيع zoro1